الزخم القوي لأوباما نحو السلام الى تراجع في ظل كسب اسرائيل المواجهة

نسخة للطباعة نسخة للطباعة أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق

احيط المسؤولون اللبنانيون علما في الايام الماضية بمعلومات رسمية تحدثت عن تراجع في مواقف الرئيس الاميركي باراك اوباما في موضوع المستوطنات التي رفضت اسرائيل وقف بنائها وتوسيعها، الامر الذي يطرح تساؤلات جدية عن قدرته في المرحلة المقبلة على السير قدما بالعملية السلمية في المنطقة بالزخم الذي اعلنه في خطابه الى العرب من القاهرة في 4 حزيران الماضي. فهذا الزخم تضاءل او تراجع في مدة قصيرة نسبيا منذ اطلاقه المواقف الانفتاحية في القاهرة قبل اسابيع علما ان هذه المدة حفلت بنشاط اسرائيلي كثيف اميركيا وفي اكثر من اتجاه لتثبيت الموقف من بناء المستوطنات. وبعدما كانت انطلاقة اوباما قوية وتوقع كثيرون له النجاح اذا استطاع عبور العقبة التي واجهته بها اسرائيل حول الاستيطان، تحوّل الحديث عن تسوية في موضوع المستوطنات بحثا في صيغة مقبولة قادت الى توجيه الانظار نحو العرب من اجل مطالبتهم بخطوات تطبيعية مسبقة مع اسرائيل لتشجيعها على التخلي عن المستوطنات او لرمي الكرة في ملعب العرب من خلال الكلام على مطالبهم ببعض الامور التي لم يتجاوبوا معها، للمساعدة. في هذا السياق ان الولايات المتحدة طلبت من العاهل السعودي الملك عبدالله بن عبد العزيز بابداء استعداده للتطبيع مع اسرائيل على ان يكون هذا الموقف بمثابة الجزرة التي يلوّح بها اوباما لاسرائيل في مقابل مطالبتها بوقف الاستيطان، لكن هذا الطلب لم يلق تجاوباً لعجز اي بلدعربي عن القيام بذلك فعلا في ظل استمرار الاحتلال الاسرائيلي لأراض فلسطينية وعربية اخرى، وهذه طريق مسدودة لا يمكن سلوكها، وقد عبرت عن ذلك بوضوح قبل ايام وزيرة الخارجية الاميركية هيلاري كلينتون، بعدما ابلغت دوائر متعددة سياسية واعلامية في واشنطن والمنطقة انها ستدلي بمواقف مهمة تتعلق بالسياسة الخارجية الاميركية امام مجلس العلاقات الخارجية في العاصمة الاميركية.
 
ولا شك في ان النية حسنة لدى الرئيس الاميركي واستعداداته جيدة ايضا، وهو يتمتع بشعبية عالية لدى الشعب الاميركي وخارج بلاده وقد ساهم في انتخابه وسياسته في تبديد الكثير من التوتر مع دول في المنطقة ليس على المستوى الرسمي فحسب بل ايضا على المستوى الشعبي. وهو تجاوز قبل بضعة اسابيع 420 توقيعا من الكونغرس الاميركي يطالبه بعدم الضغط على اسرائيل، وتوجّه الى الاوروبيين الذين دعموه في مطالبته اسرائيل بوقف الاستيطان وعدم توسيع المستوطنات القائمة ليجد نفسه بعد ذلك في لقاء مع المنظمات اليهودية في الولايات المتحدة امام تحد صعب هو احتمال خسارته دعمها اذا زاد الضغط على اسرائيل، وان عليه المضي في عملية السلام من خلال ايجاد طرق اخرى غير مواجهة اسرائيل. ومع ان من المبكر جدا الحكم على ما ستؤول اليه الامور، فإن التطورات الاخيرة شكّلت نذيرا يتحسب له المراقبون بعدما بدا ان مقاومة اسرائيل اقوى من الرغبة او القدرة الاميركية، وخصوصاً ان اوباما اتى متمتعا ولا يزال بدعم داخلي قوي. وفي هذه النقطة تحديداً يصح ما يقوله خبراء عرب كثيرون حول تنبؤهم بتراجع اوباما امام التشدد الاسرائيلي وانها كانت مواجهة محسومة سلفا لما تشغله اسرائيل على الصعيد الاميركي بنيويا وعضويا ومعنويا. والموضوع ككل يضع الرئيس الاميركي امام جملة تحديات ليس اقلها:
 
- ان "المواجهة" التي خاضها الرئيس الاميركي مع اسرائيل حول المستوطنات قادته الى تراجعه امامها، أو في اقل الاحوال الى وضعها حدودا امامه لالتزامها، مما يعني عمليا ان اسرائيل كسبت الجولة. وهذا امر يعتبر في غاية السلبية، وخصوصا ان اوباما لا يزال في الاشهر الاولى من ولايته بحيث يشبه الامر بوضع طرفين واحدا في مقابل الآخر حيث تفيد عبارة يستخدمها الاميركيون عن مواجهة متصارعين ان من المهم معرفة من يرمش او يغمز اولاً باعتبار ان من يفعل ذلك سيخسر المعركة . والرئيس الاميركي رمش او غمز امام اسرائيل اذا امكن القول.
 
- ليس في استطاعة الرئيس الاميركي التراجع عن عملية السلام ولن يكون في هذا الوارد. لكن هذا الامر سيكون صعبا جدا عليه في حين لم يعد يمكنه، في ضوء هذه التطورات المضي بالزخم نفسه. لو ان الوضع في المنطقة بقي من دون امال كبيرة بالسلام لما كان الاحباط سيكون كبيرا على ما يحتمل ان يكون في حال تراجعت جهود اوباما. ومن الصعب جدا ان تعود الامور الى الدوران في فلك مفاوضات او مساع لمجرد حصولها من دون ان تؤدي الى نتيجة، وتاليا ان جملة اسئلة تبدو مطروحة في هذا السياق وتتعلق أولا بقدرة اوباما على ادارة هذه العملية في المرحلة المقبلة. وثانيا حول تأثير ذلك في قراراته المستقبلية ليس فقط في ما يتعلق بالتسوية السلمية بل ايضا بالعراق وايران والقضايا الاخرى التي تشكل تحديات كبيرة امام الرئيس الاميركي علماً ان ثمة دعماً خارجياً حصل عليه من الدول الاوروبية في هذا المجال، ومن المحتمل ان تؤثّر التطورات الاخيرة في نظرة الاوروبيين الى هذه القدرة الجديدة المحدودة للرئيس الاميركي من منظار مختلف.
 
ولكن على رغم الواقعية في النظر الى تطور الامور، فإن المسؤولين المعنيين يفضلون انتظار بلورة المزيد من التحركات الاميركية من الآن حتى الخريف المقبل لتبيان امكان مضي الرئيس الاميركي في خطته للسلام في المنطقة، كما حدد معالمها حتى الآن، ام سيضطر الى تعديلها.
 
روزانا بومنصف

النهار
0
Your rating: None